ابن أبي الحديد
19
شرح نهج البلاغة
وقد فسر قوم قوله تعالى : ( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) ( 1 ) فقالوا : أراد وإذا عبروا عن لفظ يقبح ذكره كنوا عنه ، فسمى التعبير عن الشئ مرورا به ، وسمى الكناية عنه كرما . ومن ذلك أن بنت أعرابية صرخت ، وقالت : لسعتني العقرب ، فقالت أمها : أين ؟ فقالت : موضع لا يضع الراقي فيه أنفه ، كنت بذلك عن السوأة . ومن هذا الباب قوله سبحانه : ( ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ) ( 2 ) ، قال كثير من المفسرين : هو كناية عن الغائط ، لأنه يكون من الطعام ، فكنى عنه ، إذ هو منه مسبب ، كما كنوا عن السمة بالنار فقالوا : ما نار تلك ؟ أي ما سمتها ؟ ومنه قول الشاعر ( 3 ) : قد وسموا آبالهم بالنار ( 4 ) * والنار قد تشفى من الأوار ( 5 ) وهذا من أبيات المعاني ، يقول : هم أهل عز ومنعة ، فسقى راعيهم إبلهم بالسمات التي على الإبل ، وعلم المزاحمون له في الماء انه لا طاقه لهم بمنازعتهم عليه لعزهم ، فكانت السمات سببا لسقيها . والأوار : العطش ، فكنى سبحانه بقوله : ( يأكلان الطعام ) عن إتيان الغائط ، لما كان أكل الطعام سببا له ، كما كنى الشاعر بالنار عن السمة ، لما كانت النار ، سبب السمة .
--> ( 1 ) سورة الفرقان 72 ( 2 ) سورة المائدة 75 ( 3 ) البيتان في اللسان 7 : 2 . 1 ، والمقايس 1 : 40 من غير نسبة . ( 4 ) رواية البيت في المقاييس : * قد شربت آبالهم بالنار * وروايته في اللسان : * حتى سقوا آبالهم بالنار * وقال في شرحه : ( أي سقوا إبلهم بالسمة ، أي إذا نظروا في سمة صاحبه عرف صاحبه فسقى وقدم على غيره لشرف أرباب تلك السمة ، وخلوا لها الماء ) . ( 5 ) وروى هذا البيت أيضا في اللسان 5 : 95 .